الشيخ محمد رشيد رضا

425

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

له ، ويتضمن بيان جهل المشركين بحقيقة الإلهية وحقيقة الرسالة إذ كانوا يقترحون على الرسول من الاعمال ، ما لا يقدر عليه الا من له التصرف فيما وراء الأسباب ، ومن الإخبار بما يكون في مستقبل الزمان ، ما لا يعلمه الا من كان علم الغيب صفة له كسائر الصفات ، فقد سألوه عن وقت الساعة وعن وقت نزول العذاب الدنيوي بهم . وعن وقت نصر اللّه تعالى إياه عليهم ، وغير ذلك من أمور الغيب وإذا كان اللّه تعالى لم يؤت الرسل ما لم يؤت غيرهم من أسباب التصرف في المخلوقات ومن علم الغيب ، وكان كل من التصرف بالقدرة الذاتية وعلم الغيب خاصا به عز وجل يستحيل ان يشاركه غيره فيه ، - فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند اللّه تعالى من المشايخ المعروفين وغير المعروفين حتى صاروا يدعون من دون اللّه تعالى لما عز نيله بالأسباب والسنن الإلهية « والدعاء هو العبادة » كما صح عن النبي عليه الصلاة والسّلام ؟ وقد قال المفسرون ان نفي النبي ( ص ) لهذين عن نفسه هو عبارة عن نفي ادعاء الإلهية وبيان لكون ما اقترحوه عليه مما لا يقدر عليه غير اللّه تعالى ، فضلال المشركين في فهم الرسالة وجعلهم إياها شعبة من الربوبية لا يزال منتشرا في أذهان الناس ، حتى بعض المؤمنين باسم القرآن ، المتبركين بجلد مصحفه وورقه وبالتغني به في المآتم وغيرها ، الجاهلين بما انزل لبيانه من توحيد اللّه تعالى وشؤون ربوبيته وألوهيته ومن حقيقة الرسالة ووظيفة الرسل ومن معنى الجزاء على العقائد والاعمال - دع ما دون هذه الأصول الثلاثة من أمور الدين - إذ نرى بعض هؤلاء المعدودين في عرفهم وعرف الناس من أتباع القرآن يدعون التصرف في خزائن اللّه وعلم الغيب لمن دون الرسل كما قلنا آنفا ومن مباحث البلاغة في قوله ( وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ) أنه أعاد فيه « لا أَقُولُ لَكُمْ » ولم يعدها في نفي علم الغيب ، ونكتة ذلك ان نفي علم الغيب ونفي التصرف في خزائن اللّه يؤلفان التبرؤ من دعوى واحدة هي دعوى الصفات الخاصة باللّه تعالى . وأما نفي ادعاء الملكية فهو شيء آخر فأعيد العامل لإفادة ذلك ، كأنه قال انني لا أدعى صفات الاله حتى تطلبوا مني ما لا يقدر عليه أو ما لا يعلمه الا اللّه ، ولا أدعي أني ملك وهو دون ما قبله حتى تطلبوا مني ما جعله اللّه في قدرة الملائكة ولم يجعله من مقدور البشر ، بل ادعيت « تفسير القرآن الحكيم » « 54 » « الجزء السابع »